مريد البرغوثي.. أنتَ جميل كوطن مُحرر

0

مقال- مصطفى فرحات:

الأسبوع الماضي، خرج علينا الشاعر “تميم البرغوثي”، وكتب على صفحته الشخصية على موقع فيسبوك “مريد البرغوثي”، في البداية طرد محبو مريد الاحتمال الأسوأ من عقولهم، لكن سرعان ما تأكد لهم صحة ما بدر في أذهانهم، بعد أن رفع تميم صورة سوداء ينعي بها والده الراحل، وهنا أصبح أصبح الاحتمال خبرا يقينا، برحيل البرغوثي عن عمر ناهز الـ77 عاما.

لم يكن رحيل “مريد البرغوثي” عن عالمنا صدمة فقط، بل إنه كان إيذانًا بانتهاء فصول الغربة والشتات وطي صفحاتها التي امتدت لعقود طويلة، وتناثرت كلماتها في مئات القصائد، كذلك استجماع لأماكنها التي توزعت ما بين رام الله والقاهرة وعمان والكثير من البلدان الأوروبية التي طاف بها.

عندما ترك ابن دير غسانة رام الله عام 1963، ربما كان في جعبته الكثير من الأحلام حول المستقبل الكبير الذي ينتظره تحت قبة جامعة القاهرة، حيث التحق بكلية الآداب فرع اللغة الإنجليزية، لكن القدر من ناحية أخرى كان يعد لها هديته الكبرى في رفيقة دربه رضوى عاشور، فاحتوى هذا الشتات القصيدة التي ألقاها في جمع من أصدقائه على سلالم المكتبة المركزية؛ بحسب ما تحكي رضوى، في تلك اللحظة عقدت صاحبة الطنطورية العزم على أمرين؛ الأول أن تكف عن كتابة الشعر، الثاني أن تسمح لنفسها بالدخول إلى عالم هذا الشاعر المغترب الموهوب.

تلك العلاقة الفريدة التي بدأت عفوية وتلقائية منذ اللحظة الأولى، استطاعت أن تحافظ على نفسها لسنوات طويلة، كان فيها مريد الزوج المخلص والمحب الملهم والشاعر الفذ، الأمر الذي جعل حبهما يصمد أمام كل الصعوبات والمعوقات التي لم تغادرهما لحظة، فكانت رضوى طوق نجاته في المنافي، فالقاريء لشعر مريد سرعان ما يصيبه الحزن ويعلن تعاطفه الكامل مع ابن رام الله، الذي كان يعتبر نفسه مصابًا بالغربة: “يصاب المرء بالغربة كما يصاب بالربو، ولا علاج للاثنين، والشاعر أسوأ حالًا، لأن الشعر بحد ذاته غربة”.

كان مريد مهمومًا بقضية بلاده في نضالها الطويل ضد الاحتلال الإسرائيلي، والذي أذاقه مرارة الغربة، وحال بينه وبين أن تنبت قصائده في الأرض التي وُلد بها، فأصبح مصيره مثل مئات الآلاف من الفلسطينيين، بعد أن تفرقوا في المنافي يبحثون عن سبل أخرى للحياة، فتجده يقول في مرارة: ” أنا أكبرُ من إسرائيل بأربع سَنوات، والمؤكد أنني سأموتُ قبل تحرير بلادي من الاحتلال الإسرائيلي، عمري الذي عشت معظمه في المنافي تركني محملا بغربة لا شفاء منها، وذاكرة لا يمكن أن يوقفها شيء”.

الشعر بالنسبة إلى مريد، كان أكبر من مجرد الكلمات التي تُلقى بحرارة في المحافل الأدبية والأمسيات الشعرية، بل كان مفعمًا بالصدق مشتملًا على كل مقومات الإبداع والموهبة، فيقول: ” الشعر الحقيقي يخدم الوطن بطريقة واحدة، هي أن يكون جميلًا ومقنعًا وصادقًا وقابلًا للقراءة والإمتاع الفني في زمان ومكان آخرين، لأننا معنيون بالمصير الإنساني فرديًا أو جماعيًا، لأننا معنيون بأنفسنا وبالهم الإنساني عموما”، تلك الموهبة التي خالطها صدق الكلمة ونبل المعنى، هي التي جعلت من مريد شاعرا استثنائيًا، لا يجعل من قضيته مرثية يستميل بها عاطفة القاريء، بل فرض بتلك الموهبة لقصائده حيز الوجود الذي تستحقه دون مزايدة.

أحب صاحب “رأيت رام الله” الشعر كما أحبَّ رضوى، فأحبهما الشعر وأخصلت لهما الكلمة وأصبحت أحد أقوى دفاعاتهما، فمريد يقوله شعرا ورضوى تقوله نثرا، وبعد أعوام انضم لهما تميم الذي كتب الشعر مثل أبيه، وهنا تسرد رضوى في كتابها “أثقل من رضوى” كيف كانت الكلمة تحار بين الثلاثة، فتؤكد أن المزاجلات الشعرية كانت تنشأ فجأة بينهم، فنوبة المزاجلات تلك على حد تعبيرها تبدأ بتميم، الذي يلقي قصيدته واقفًا أو ماشيًا أو متمايلًا، بعدها تنتقل النوبة لأبيه، ثم تعلو أصواتهما حماسًا عذبًا وطربًا ملموسًا.

رضوى في تلك اللحظة رغم انهماكها وانشغالها عنهما، تستجيب لندائهما في ألا ينفردا وحدهما بمتعة القصيدة، تحاوط تميم بعين الزهو، وتتطلع لمريد بعين الحب، كل ذلك يدور وهم يقفون جميعًا في حيز القصيدة، تلك التي امتدحها بها مريد، عندما قال لها: “أنت جميلة كوطن مُحرر.. وأنا مُتعب كوطن مُحتل”، لترد عليه: “ليس مقابلًا لأي شيء ولكن تحية من امرأة مصرية إلى صديقها الفلسطيني المتعب”.

بعد رحيل رضوى عاشور عام 2014، أصبح عالم مريد موحشًا دونها، صار يفتش عنها في كل القصائد، اقترب الحزن منه أكثر فصار رفيقه الدائم، تزداد مرارته كلما تراءت له الصورة المنطبعة في ذاكرته لرضوى بضحكتها المعهودة، فتحولت بعدها قصائد الغزل إلى مراثي، كان هذا واضحا في الكلمات التي رثاها بها في كلية الآداب حيث كانت زوجته تعمل كأستاذ للأدب بها، وهو ما روته لي أحد العاملات في القسم عندما كنت أعدّ ملفًا عنها، حيث وصفت لي الحزن الذي كان باديًا عليه وهو يتحدث عنها، في موقف تتجسد فيه الصورة الصادقة للحب حين يغيب ضلعه الأهم.

رحل مريد البرغوثي، وخلّف وراءه الكثير من القصائد، وشهادة تخرج لم يجد لها جدارًا ليعلقها عليه، لأن روحه هي التي تحررت، أما بلاده لم يُؤذن لها أن تتحرر بعد.

 

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق